بيروت قبل أن تصل الطائرات
لم تكن بيروت عام 1982 مدينةً خالية من الخوف. كانت الحرب الأهلية قائمة، وأخبار القصف في الجنوب تصل إلى الناس، فيما بقيت الحياة اليومية مستمرة بما تسمح به الظروف. عملٌ، بيتٌ، جيران، عائلة، وأطفال يحتاجون إلى من يعتني بهم. وبين كل ذلك، كان التلفزيون مفتوحًا؛ ينقل الأخبار، ويُبقي الناس على معرفة بما يحدث خارج أحيائهم.
في حارة حريك، كانت إنعام حسين ناصر تعيش أيامها وهي في الثانية والثلاثين من عمرها. كانت تعمل في معمل في منطقة رأس النبع، قبل أن يفرض الاجتياح عليها أن تترك عملها.
لم تكن مسؤولةً عن نفسها فقط؛ كان في البيت أربعة أولاد لأخيها يحتاجون إلى رعايتها، وكانت أمها قد تقدمت في العمر وأصبحت بحاجة إليها أيضًا.لم يكن قرارها مرتبطًا برغبة في ترك العمل.
جاء الاجتياح، وجاء معه سؤالٌ أبسط وأثقل: من سيعتني بالأطفال؟
تقول إنعام إنها بقيت في البيت عندما بدأ الاجتياح، لأن الأطفال كانوا هناك، ولأن أمها كانت كبيرة في السن. وفي تلك الأيام، لم تكن تحتاج إلى من يخبرها أن شيئًا خطيرًا يحدث.
«عرفت من الطيران والقصف»
لم يكن الأمر مفاجئًا تمامًا. كانت تعرف أن هناك قصفًا في الجنوب، وكانت الأخبار تصلهم عبر التلفزيون الذي اعتادت العائلة إبقاءه مفتوحًا. لكن معرفة أن الجنوب يتعرض للقصف شيء، وأن يصبح صوت الحرب قريبًا من المكان الذي تجلس فيه شيء آخر.
صار القصف يُسمع من حولهم.مرةً يكون قريبًا، ومرةً يكون بعيدًا.وكان عليهم أن يعيشوا بين الاثنين.
«إذا خافوا الأولاد، بنزّلهم عالمَلجأ، أو بنضل قاعدين بالبيت وننطر»
وإلهام، كان خوفها مرتبطًا بطفله وبيتها . لم تحدث معها مواجهة مباشرة مع الجنود الإسرائيليين قبل خروجها. عندما اقترب الاحتلال من المنطقة التي كانت تسكن فيها، شعرت بالخطر وغادرت. لكن الرحيل لم يكن نهاية الحكاية. كان بداية فصل آخر منها. فبعد أن هدأت الأحداث قليلًا، عادوا إلى بيروت, وعادوا إلى البيت, إلى البيت الذي تركته إلهام وهي تحاول إنقاذ طفلها. هناك، كانت تنتظرها صورة مختلفة تمامًا عن البيت الذي عرفته. البيت الذي كان جديدًا نسبيًا. البيت الذي كانت فيه الحديقة والعرزال والجيران.
البيت الذي كانت تصنع فيه لطفلها أشياء جميلة من الكروشيه، كان قد تعرض للتخريب.الأثاث الذي كان بحالة جيدة أصبح مكسّرًا، والأغراض التي تركتها خلفها لم تعد كما كانت. حتى الأغراض الخاصة بطفلها لم تسلم من آثار الجنود الذين دنسوا المنزل.
في مكان بعيد.
دخل إلى البيت.
إلى الغرف.
إلى الأغراض.
إلى الأشياء التي صنعتها بيديها.
وإلى الذاكرة التي تركتها هناك.
وهكذا، قبل أن تبدأ الحكاية عن المعارك والحصار والمفاوضات، هناك حكايات أصغر منها في الظاهر، لكنها أكثر التصاقًا بالإنسان.
امرأة تركت بيتها لأن طفلها كان يحتاج إلى الأمان.وأخرى بقيت في بيروت وهي ترعى أبناء أخيها، وتحاول أن تجعلهم ينامون رغم القصف.بيتٌ احتُلت غرفه.
وأطفالٌ نزلوا إلى الملجأ عندما اشتد الخوف.امرأةٌ كانت تسمع الطائرات من السماء، وأخرى كانت ترى الخطر يقترب من بيتها.كان الاجتياح يقترب من بيروت.لكن بالنسبة إلى أهلها، لم يكن يصل على شكل خبر واحد.كان يصل بالتدريج.صوتًا بعد صوت.قذيفةً بعد قذيفة.وخوفًا يكبر في البيوت، إلى أن صار واضحًا أن ما يحدث في الجنوب لم يعد بعيدًا عنهم.كانت الطائرات قد وصلت.وبيروت، بعد ذلك، لن تعود كما كانت
من الليطاني إلى بيروت
.خلف المشهد الذي عاشه الناس في بيوتهم، كانت هناك أسابيع
وأشهر من التطورات السياسية والعسكرية التي كانت تدفع المنطقة نحو مواجهة أكبر. وكانت فلسطين حاضرة في قلب هذا المشهد، فيما كانت منظمة التحرير الفلسطينية وقوى لبنانية مختلفة جزءًا من تركيبة بيروت السياسية والعسكرية آنذاك.
يرى الصحافي السابق فضل جانبين أن فهم اجتياح حزيران 1982 لا يمكن أن يبدأ من يوم الاجتياح نفسه، بل من البيئة التي سبقته؛ فكل حدث، كما يقول، له أبعاد دولية وإقليمية ومحلية تتداخل في ما بينها.
على المستوى الدولي، كانت الحرب الباردة لا تزال قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وعلى المستوى الإقليمي، كانت المنطقة تعيش تحولات كبيرة بعد الثورة الإيرانية، وفي ظل التطورات التي سبقت كامب ديفيد وما تبعها. أما في الداخل اللبناني، فكان الانقسام السياسي والعسكري قد ترك بيروت نفسها مقسومة بين قوى ومناطق نفوذ متعارضة.لكن كل هذه التعقيدات لم تكن بالنسبة إلى الناس خرائط سياسية.
كانوا يسمعون الأخبار.ثم يسمعون الطائرات
خريطة الغزو الإسرائيلي للبنان - جريدة السفير
.خلف المشهد الذي عاشه الناس في بيوتهم، كانت هناك أسابيع
وأشهر من التطورات السياسية والعسكرية التي كانت تدفع المنطقة نحو مواجهة أكبر. وكانت فلسطين حاضرة في قلب هذا المشهد، فيما كانت منظمة التحرير الفلسطينية وقوى لبنانية مختلفة جزءًا من تركيبة بيروت السياسية والعسكرية آنذاك.
يرى الصحافي السابق فضل جانبين أن فهم اجتياح حزيران 1982 لا يمكن أن يبدأ من يوم الاجتياح نفسه، بل من البيئة التي سبقته؛ فكل حدث، كما يقول، له أبعاد دولية وإقليمية ومحلية تتداخل في ما بينها.
على المستوى الدولي، كانت الحرب الباردة لا تزال قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وعلى المستوى الإقليمي، كانت المنطقة تعيش تحولات كبيرة بعد الثورة الإيرانية، وفي ظل التطورات التي سبقت كامب ديفيد وما تبعها. أما في الداخل اللبناني، فكان الانقسام السياسي والعسكري قد ترك بيروت نفسها مقسومة بين قوى ومناطق نفوذ متعارضة.لكن كل هذه التعقيدات لم تكن بالنسبة إلى الناس خرائط سياسية.
كانوا يسمعون الأخبار.ثم يسمعون الطائرات
وفي الأشهر التي سبقت الاجتياح، كان السلاح الفلسطيني داخل لبنان جزءًا من المشهد الذي أثار قلق إسرائيل. ويشير جانبين إلى الاستعراض العسكري الذي أقامته حركة فتح في المدينة الرياضية في بيروت في 1 كانون الثاني 1982، معتبرًا أن ما ظهر خلاله من قدرات وتسليح لفت انتباه الإسرائيليين وأثار مخاوفهم من حجم القوة الموجودة لدى منظمة التحرير والقوى الفلسطينية.
ولا يقدم جانبين هذا الاستعراض بوصفه اللحظة الوحيدة التي صنعت قرار الاجتياح، بل كواحد من التطورات التي، بحسب روايته، زادت القلق الإسرائيلي من وجود سلاح نوعي لدى الفلسطينيين في لبنان.
وفي الوقت نفسه، بدأت تصل تحذيرات استخباراتية إلى القوى اللبنانية.بحسب رواية جانبين، كانت أجهزة سوفياتية تحذر القوى اليسارية اللبنانية من أن إسرائيل تستعد لاجتياح لبنان. ويذكر
في هذا السياق الحزب الشيوعي اللبناني والقوى الناصرية وغيرها من الأحزاب التي وصلت إليها هذه التحذيرات.لكن إسرائيل كانت بحاجة إلى ذريعة تعلن من خلالها بدء العملية.
وفي 3 حزيران 1982، أُطلق النار في لندن على السفير الإسرائيلي لدى بريطانيا شلومو أرغوف وأصيب بجروح خطيرة. وفي 6 حزيران، بدأت القوات الإسرائيلية غزو لبنان. وتؤكد السجلات الدولية أن العملية جاءت بعد تصعيد عسكري سابق، وأن إسرائيل استخدمت محاولة اغتيال السفير في لندن في سياق تبرير تدخلها العسكري.في السادس من حزيران، دخلت القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية
وكانت البداية من الجنوب.
أعلنت إسرائيل أن هدف العملية هو إبعاد القوات الفلسطينية عن حدودها، وارتبط اسم العملية بما عُرف بـ«سلامة الجليل». لكن ما بدأ كعملية عسكرية في الجنوب لم يبقَ هناك.تقدمت القوات شمالًا.
ومع تقدمها، اتسعت رقعة الحرب.
تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن القوات الإسرائيلية دخلت لبنان في 6 حزيران، وأن القتال امتد خلال أيام من مناطق صور وصيدا باتجاه الشمال، وصولًا إلى الأطراف الجنوبية لبيروت، فيما تحركت القوات الإسرائيلية بدعم جوي وبحري واسع.كان الجنوب أول الطريق.
لكن بيروت لم تكن النهاية المتوقعة بالنسبة إلى أهلها فقط؛ كانت العاصمة نفسها ستتحول إلى ساحة المعركة.يقول جانبين إن الهدف الذي كان متداولًا في البداية هو الوصول إلى نهر الليطاني، ولذلك أطلق الإسرائيليون على العملية اسم «عملية الليطاني» في روايته. لكن التقدم لم يتوقف عند هناك.
تجاوزت القوات الإسرائيلية الخط الذي كان يُفترض أن تتوقف عنده.وتقدمت شمالًا.حتى وصلت إلى بيروت.لم تكن المسافة من الجنوب إلى العاصمة مجرد مسافة على
خريطة. كل كيلومتر قطعه العدو الإسرائيلي كان يعني اقتراب الحرب من أحياء جديدة، ومن بيوت جديدة، ومن عائلات لم تعد تستطيع النظر إلى الاجتياح باعتباره حربًا بعيدة نفي الجنوب
وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت وحاصرت المدينة، فيما أصبح غرب بيروت معزولًا عن بقية المناطق. وأُغلقت طرق ومنافذ أساسية، كما فُرضت قيود على وصول الماء والكهرباء والغذاء والأدوية إلى غرب المدينة، واستمر الحصار والقصف حتى بدأت المفاوضات التي قادت إلى إجلاء القوات الفلسطينية.
هنا تحديدًا تغيّر معنى الاجتياح.
لم تعد المسألة أن جيشًا دخل من الحدود ثم توقف.
لقد وصلت الحرب إلى العاصمة, وبيروت التي كان أهلها يسمعون أخبار الجنوب من التلفزيون أصبحت هي نفسها الخبر. أما الذين كانوا داخلها، فلم يكونوا يشاهدون ما يحدث من خلف شاشة, كانوا يعيشونه, في البيوت التي أغلقت أبوابها, في الشوارع التي أصبحت الحركة فيها أكثر صعوبة,, في أصوات القصف التي كانت تصدع, وفي مدينة بدأت تنقطع عنها مقومات الحياة واحدةً تلو الأخرى.
وكلما تقدمت القوات الإسرائيلية، ضاقت المساحة المتاحة أمام المدينة لتعيش.
لم يعد السؤال فقط: إلى أين وصل الجيش؟
صار السؤال: إلى متى تستطيع بيروت أن تصمد؟
وفي الوقت الذي كانت فيه الدبابات تتقدم، كان المشهد السياسي والدولي يتحرك أيضًا.
كانت الولايات المتحدة قد أرسلت فيليب حبيب مبعوثًا إلى المنطقة، ومع اشتداد الأزمة في بيروت بدأت مفاوضات حول وقف القتال وخروج القوات الفلسطينية من المدينة. وبحلول تموز، أبلغت منظمة التحرير حبيب استعدادها لمغادرة بيروت إذا نُشرت قوة دولية متعددة الجنسيات لحماية
المدنيين الفلسطينيين.
لكن قبل أن تصل المفاوضات إلى نهايتها، كان على بيروت أن تعيش الحصار.
حاصر الجيش الإسرائيلي غرب بيروت, وقصفها. وتحولت المدينة إلى مساحة مغلقة ينتظر أهلها فيها ما سيأتي بعد ذلك. وبينما كانت المفاوضات تُرسم على طاولات السياسة، كان المدنيون يعيشون نتائجها في كل يوم, كان الماء مشكلة, والكهرباء مشكلة, والطعام والدواء والحركة كلها أصبحت مرتبطة بحصار المدينة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا الحصار استمر حتى منتصف آب، حين تم التوصل، بعد مفاوضات مكثفة، إلى اتفاق لإجلاء قوات منظمة التحرير والقوة العربية الردعية من بيروت.
في النهاية، لم يكن وصول الاجتياح إلى بيروت مجرد توسع عسكري على الخريطة, كان انتقالًا للحرب من الأطراف إلى قلب العاصمة. من الجنوب إلى بيروت, من الحدود إلى البيوت, ومن خبر يسمعه الناس عبر التلفزيون إلى طائرات وقذائف
يسمعونها فوق رؤوسهم.وهنا، للمرة الأولى، أصبحت بيروت أمام امتحان مختلف:هل يمكن لمدينة محاصرة أن تقاوم؟والجواب لم يكن في الخرائط وحدها.كان سيُكتب في الشوارع.
صفحات مختارة من ما نشرته جريدة "السفير" في تلك الفترة
حين صار البيت نفسه خطّ المواجهة
حين وصلت الحرب إلى بيروت، لم تعد المواجهة محصورة في الطرقات والمواقع العسكرية, بل دخلت إلى البيوت.
صار المنزل، الذي يفترض أن يكون المكان الأكثر أمانًا، مساحةً للانتظار والخوف. وصار على الناس أن يتعاملوا مع الحرب بما يملكونه: غرفة، ملجأ، بعض الماء، أطفال يجب تهدئتهم، وطريق يحاولون عبوره حين يصبح البقاء أخطر من الخروج.
بالنسبة إلى إنعام حسين ناصر، لم تكن تلك الأيام عابرة.
كانت في الثانية والثلاثين من عمرها، وكانت تعيش في حارة حريك، حيث بقيت خلال فترة الاجتياح. كانت مسؤولة عن أبناء أخيها، لهذا السبب تركت عملها في رأس النبع.
لم يعد بإمكانها أن تذهب إلى العمل وتترك الأطفال وحدهم, فالحرب لا تسأل الإنسان إن كان مستعدًا لها, بل تضعه أمام مسؤولياته، وتترك له أن يتصرف.
وعندما بدأت الطائرات والقصف، عرفت إنعام أن شيئًا كبيرًا يحدث.
لم يخبرهم أحد في البداية بأن الاجتياح بدأ.
عرفوا من الصوت.
من الطائرات.
من القصف.
كان بعضه قريبًا وبعضه بعيدًا.
وكانت المدينة تسمع الحرب قبل أن تراها.
لم تكن إنعام تملك مشهدًا واضحًا لكل ما كان يحدث في الخارج. بل على العكس، كانت تخاف من الاقتراب.
جاء الحصار, بقيت إنعام في بيروت خلال فترة حصار الماء والكهرباء.
الماء لم يعد شيئًا مضمونًا في البيت.
كان الشباب يأتون بالشاحنات ويجلبون الماء للناس. وكان هناك أيضًا خزان مخصص لمياه الشرب.
هكذا أصبحت أبسط الحاجات جزءًا من يوميات الحرب.
الماء الذي كان يُفتح من الصنبور صار يحتاج إلى من يحمله.
بيروت الشرقية والغربية
تُظهر الخريطة انقسام بيروت إلى قطاعين شرقي وغربي, وخط التماس الذي يفصل بينهما قُبيل دخول قوات الاحتلال الاسرائيلية إلى بيروت الغربية في 15 أيلول 1982. حيث جاء الدخول بعد اغتيال بشير الجميل.
المصدر: الأمم المتحدة, تقرير الأمين العام حول الوضع في منطقة بيروت, أيلول 1982
رغم كل ذلك، لم ترَ إنعام ما يجعلها تروي قصة مواجهة مباشرة مع جندي إسرائيلي, لم يحدث معها ذلك, ولم تسمع، بحسب ما تتذكر، حادثة مباشرة من هذا النوع تخص بيتها أو محيطها القريب.
وهذا مهم, لأن الحرب لا تُعاش بالطريقة نفسها من الجميع, هناك من يرى الجنود ومن يواجههم ومن يخرج من بيته. وهناك من يبقى خلف الجدران، يسمع أصواتهم ولا يراهم.
أن ينجو الإنسان من القصف، ثم يعود إلى المكان الذي كان يحميه ليجد أن الحرب
وصلت إليه حتى عندما لم يكن موجودًا.
أما بالنسبة لإلهام، فلم تكن البناية بعيدة عن الخطر.
بحسب ما روت منى نصرالله عن تجربة عمتها، كان موقع البناية يسمح برؤية الشارع الرئيسي من سطحها، ولذلك كان يمكن استخدام السطح للمراقبة والقنص.المكان الذي كان جزءًا من الحياة اليومية أصبح فجأة جزءًا من الحرب.
وفي مكان آخر من بيروت، كانت إنعام تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة تمامًا.لم تكن ترى كل ما يحدث.كانت تسمعه.تسمع القصف.تسمع الناس يتحدثون.تسمع عن الدمار.ثم تعود إلى الأطفال.تقول إن المشاهد التي رأتها لم تكن بحجم ما نراه في الحروب التي يعيشها الناس اليوم.لكنها لا تقول إن الخوف كان قليلًا.فالخوف لا يحتاج إلى مدينة مدمرة بالكامل.أحيانًا يكفي صوت قذيفة.
وأحيانًا يكفي أن يكون لديكِ أطفال تخافين أن يصيبهم مكروه.
كانت تحاول أن تجعلهم يعيشون بشكل طبيعي.وكانوا يأكلون وينامون.لكن عندما يسمعون القصف، كانوا يخافون.وكانت مهمتها أن تهدئهم.
في هذه المساحة الصغيرة بين القصف والملجأ والبيت، عاش كثير من المدنيين الاجتياح.لم يكونوا جميعًا في الخندق.ولم يكونوا جميعًا في الشارع.بعضهم كان يحمل السلاح.وبعضهم كان يحمل طفلًا.بعضهم كان يواجه الدبابات.وبعضهم كان يحاول تأمين الماء.وبعضهم كان ينتظر.لكن الحرب، في النهاية، وصلت إلى الجميع.إلى البيت.إلى الطريق.إلى العمل.
إلى الأطفال.وحتى إلى الأشياء الصغيرة التي لم يكن يفترض أن يكون للحرب أي علاقة بها.وهنا لم يعد البيت مجرد مكان نختبئ فيه من الحرب.أصبح هو نفسه جزءًا من قصتها.
ومن هنا يروي الحاج عصام الحاج حسن، حيث تأتي شهادته من داخل ذلك المشهد الميداني، لا من بعيد.
فهو لا يروي الاجتياح كحدث قرأ عنه لاحقًا، بل يستعيد ما عاشه في بيروت خلال تلك المرحلة، وما رآه من مواجهات وحركة للقوات الإسرائيلية والمقاومة.
وهنا تصبح الشهادة جزءًا من الخريطة.المكان الذي يذكره عصام ليس مجرد اسم.إنه موقع كانت فيه دبابة.أو شارعًا عبره مقاتلون.أو نقطة اشتبك فيها الطرفان.
.كان الحاج عصام يومها عسكريًا في اللواء الثامن، يخدم في مركز للجيش اللبناني على جسر المطار، مقابل مستشفى الساحل. ومع بداية الاجتياح، بدأت القوات الإسرائيلية تتقدم باتجاه المنطقة. تحركت من جهة السفارة الكويتية، ونزلت عبر الرحاب باتجاه جسر المطار، فانسحبت سريته باتجاه حارة حريك، مقابل بيت السيد فضل الله.
لم تنتهِ خدمته هناك.
انتقل بعدها إلى كنيسة مار مخايل، ثم إلى تلة الريس في بعبدا. وبين هذه المواقع، بدأت تتشكل لديه صورة مختلفة عن الاجتياح؛ صورة العسكري الذي كان يلتقي بالقوات الإسرائيلية وجهًا لوجه، لكن من دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى اشتباك مباشر.
يقول إن الجيش اللبناني لم يخض، بحسب ما عاشه وشهده، مواجهة عسكرية مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.
.الصدام المباشر كان مع المقاتلين والقوى التي واجهت القوات المتقدمة. أما هو، فكانت له لقاءات أخرى.
في إحدى المرات، كان داخل إحدى غرف الجيش في منطقة الساحل. خرج من الغرفة، فإذا بجندي إسرائيلي أمامه، يرفع سلاحه باتجاهه. كان عصام يرتدي بدلته العسكرية، فأخبره أنه عسكري في الجيش اللبناني.
عندها قال له الجندي الإسرائيلي:«الله معك.»
كانت لحظة قصيرة، لكنها بقيت في ذاكرته؛ جندي لبناني وإسرائيلي وجهاً لوجه، والسلاح مرفوع، من دون أن تتحول اللحظة إلى إطلاق نار.
وفي موقع آخر، وجد الإسرائيليين متمركزين قرب تلة الريس في بعبدا، بينما كان الجيش اللبناني أسفل منهم. كان التواصل بين الطرفين يحصل أحيانًا عند المرور أو الاستفسار عن المواقع. ويذكر عصام أن الإسرائيليين كانوا يحملون خرائط وإحداثيات لأحياء بيروت، وكانوا يسألون أحيانًا عن أسماء مناطق أو مراكز لا يعرف الجيش اللبناني أسماءها بالتحديد، رغم معرفته بمواقعها.
حتى داخل غرف الجيش، بقيت آثار تلك المواجهة.
في إحدى المرات، دخل عصام إلى الغرفة التي كان الجنود ينامون فيها، فوجد آثار دماء ومعدات طبية وجعبة مليئة بالدم. كان هناك جندي إسرائيلي مصاب قد عولج في المكان قبل ذلك، لكنه لم يشاهده بنفسه. ما رآه كان آثار وجوده فقط. أخذ عصام من المكان مقصًا طبيًا وجعبة طبية، وبقيت آثار الدم شاهدة على ما حدث داخل الغرفة التي كان الجنود اللبنانيون ينامون فيها.
وفي مار مخايل، يتذكر حادثة أخرى. وصلت دبابة إسرائيلية باتجاه الضاحية، فتم ردّها ومنعها من المرور.
أما خارج بيروت، فعندما كان ينتقل باتجاه البقاع، كان يمر بنقطة إسرائيلية في صوفر. ويذكر أن العسكري اللبناني كان يستطيع المرور بصورة طبيعية، بينما كان المدني يحتاج إلى تصريح. وإذا وصل الإسرائيليون إلى مركز للجيش اللبناني وقيل لهم إن المرور ممنوع، كانوا يتوقفون ويعودون.
لكن المشهد لم يكن بهذه الصورة في كل مكان.
في الضاحية وصحراء الشويفات، كان الإسرائيليون يدخلون إلى البيوت بحثًا عمّن كانوا يسمونهم «المخربين». كانوا يفتشون عن الملابس والأغراض، ويحاولون معرفة أصحابها، وكان عصام يسمع من الناس عن عمليات التفتيش وما رافقها من خوف.
وفي المقابل كان هناك مقاتلون يواجهونهم.
هنا يصرّ الحاج عصام على الفصل بين ما عاشه هو كعسكري لبناني، وبين ما يعرف أنه حدث على جبهات أخرى. فالمواجهة المباشرة مع الإسرائيليين، بحسب شهادته، خاضها مقاتلون من القوى والأحزاب والمقاومة، لا وحدته في الجيش اللبناني.
وهو نفسه يذكر خلدة أيضًا كمكان شهد قتالًا مباشرًا، حيث تواجد هناك مقاتلون واجهوا القوات الإسرائيلية، وسقط منهم قتلى.
لكن الحاج عصام لا يدّعي أكثر مما رأى.
وهذه واحدة من أكثر النقاط وضوحًا في شهادته
.هو يستطيع أن يقول: «شفت».ويستطيع أن يقول: «سمعت».لكنه لا يضع الاثنين في المكان نفسه.
فعندما يتحدث عن صبرا وشاتيلا، لا يقول إنه رأى المجزرة وهي تحدث. يقول إنه رأى القتلى بعد انتهاء الأحداث.
ويسمع من أشخاص مروا عليه، ومن فتيات تحدثن عما تعرضن له، لكنه لا ينسب إلى عينيه ما لم تره.
بعد المجزرة، رأى الجثامين التي جُمعت ودُفنت في قبر جماعي، في حفرة كبيرة أُعدت للضحايا.وهكذا بقيت صبرا وشاتيلا في ذاكرته لا كمشهد واحد رآه، بل كسلسلة من الأشياء التي شاهد بعضها، وسمع بعضها، ووصل إليه بعضها من روايات الناس الذين كانوا هناك.
وهذا ما يجعل شهادته أكثر من مجرد شهادة على الحرب.
إنها شهادة على حدود الذاكرة نفسها؛ على الفرق بين أن ترى بعينيك، وأن تسمع من شخص عاش ما لم تستطع أنت أن تراه.وفي نهاية حديثه، يعود الحاج عصام إلى النقطة التي أراد أن تكون واضحة منذ البداية: هو لا يريد أن يقول إن الجيش اللبناني قاتل الإسرائيليين في معركة لم يخضها.ولا يريد أن ينسب إلى نفسه مشاهد لم يكن حاضرًا فيها, وإنما يريد أن يروي ما حدث معه.
الجندي الذي ظهر أمامه في الغرفة, الدبابة التي رآها في مار مخايل, الدم الذي وجده في غرفة كان الجنود ينامون فيها, الخرائط التي كانت بحوزة الإسرائيليين والطرق التي كان يمر فيها الجيش, بينما كانت بيروت من حوله تتحول شيئًا فشيئًا إلى مدينة تحت الاحتلال.
أما القتال، فكان له رجال آخرون.
رجال حملوا السلاح في وجه القوات المتقدمة، وبدأوا يكتبون فصلًا جديدًا من المواجهة.
وبينما كانت الخرائط العسكرية تحدد المحاور، كان الناس داخل المدينة يعيشون تفاصيلها, صوت القصف, حركة الدبابات, الخوف من أن يصبح الطريق الذي اعتادوا عبوره منطقة اشتباك, والانتظار لمعرفة ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستتقدم أكثر.
لكن المواجهة لم تكن عسكرية فقط, فكلما تقدمت القوات الإسرائيلية، كانت المدينة تدخل أكثر في الحصار.
خروج منظمة التحرير
في 30 آب، غادر ياسر عرفات بيروت, ومعه خرجت قيادة منظمة التحرير وقواتها.
كانت السفن تبتعد عن المرفأ، بينما بقيت بيروت خلفها, مدينةٌ محاصرة, ومدينةٌ أنهكها القصف, ولم تعد تعرف تمامًا ماذا ينتظرها بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين.
لكن الاتفاق كان يقوم على افتراض أساسي: أن خروج منظمة التحرير سيؤدي إلى تهدئة الوضع، وأن القوات متعددة الجنسيات ستساعد في حماية المدنيين وتأمين المرحلة الانتقالية.
إلا أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا, فبعد أقل من ثلاثة أسابيع، وقعت جريمة ستبقى واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ الاجتياح.
صبرا وشاتيلا: حين بقي الدم
في 14 أيلول 1982، اغتيل بشير الجميل.
وبعد يومين، أي في 16 أيلول، دخلت الميليشيات إلى مخيمي صبرا وشاتيلا. كان المخيمان في منطقة واقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وكانت القوات الإسرائيلية قد انتشرت حولهما، وأغلقت مداخلهما ومخارجهما. في ذلك الوقت، لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية موجودة داخل المخيمين بالشكل الذي كانت عليه قبل خروجها من بيروت. كان المقاتلون الفلسطينيون قد غادروا العاصمة ضمن الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة. لكن المدنيين بقوا. نساء وأطفال وكبار في السن وعائلات لم يكن لديها جيش تحتمي به.
دخل المسلحون إلى المخيم, وبدأت المجزرة.
استمرت عمليات القتل لعدة أيام.
قُتل مدنيون فلسطينيون ولبنانيون، وسقط عدد كبير من الضحايا، فيما بقي العدد الدقيق للقتلى
موضع اختلاف بين المصادر.
لكن اختلاف الأرقام لا يغير حقيقة أساسية: مجزرة وقعت بحق مدنيين داخل مخيمين للاجئين.
والقوات الإسرائيلية كانت تسيطر عسكريًا على المنطقة المحيطة بالمخيمين, أما عملية القتل داخل
المخيمين، فنفذتها ميليشيا القوات اللبنانية (الجناح العسكري لحزب الكتائب اللبنانية).
وفي بيروت، كان الناس يسمعون, لا يرون بالضرورة, لكن الأخبار كانت تنتقل.
وفي بعض البيوت، كانت صبرا وشاتيلا تصل ككلمة واحدة: مجزرة.
إنعام ناصر، التي كانت في حارة حريك، لم تدخل المخيم ولم تشاهد ما حدث بعينيها, سمعت عنها, وعندما سُئلت عن التفاصيل، لم تدّعِ أنها تعرف ما لم تره.
قالت إنها سمعت أن هناك مجزرة في صبرا وشاتيلا، وأن عائلات قُتلت، لكنها لم تقترب من المكان, كانت تخاف على الأطفال الذين كانت مسؤولة عنهم.
وهذا النوع من الذاكرة مختلف.
ليس ذاكرة من وقف في قلب المجزرة.
بل ذاكرة من كان بعيدًا، وسمع أن شيئًا فظيعًا حدث.
لكن الأخبار لم تكن دائمًا مجرد أخبار.
أحيانًا كان لها وجه، اسم وعائلة، وشخص لم يعد.
وهنا تظهر قصة محمد سيف الدين.
شاب من شمسطار، كان يعمل في بيروت.
بحسب ما روت د. منى نصرالله، كان محمد شابًا محبًا للحياة، خلوقًا، طموحًا، ويمتلك حس دعابة. كان من بين الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم داخل المخيم في تلك الفترة.
ثم اختفى،
لم يعرفوا أين اختفى.
لم يجدوا جثمانًا.
لم يبقَ لديهم سوى هويته، التي أصبحت الدليل على وجوده هناك.
وهكذا، تحولت الهوية إلى أثر.
قطعة صغيرة من الورق تحمل اسم إنسان، بينما الإنسان نفسه لم يعد موجودًا. محمد لم يعد مجرد رقم في قائمة ضحايا. صار اسمًا تتناقله الذاكرة. وشخصًا كان له بيت وقرية وعائلة وحياة قبل أن تنقطع أخباره.
بعد المجزرة
لكن صبرا وشاتيلا لم تكن آخر ما حدث.
بعد المجزرة، بقي الاحتلال.
وبقيت القوات الإسرائيلية في لبنان.
وبقيت بيروت تعيش نتائج الاجتياح الذي بدأ من الجنوب ووصل إلى العاصمة.
كان خروج منظمة التحرير قد أنهى وجود قوتها العسكرية الرئيسية في بيروت، لكنه لم يُنهِ الوجود الإسرائيلي, بل إن المرحلة الجديدة أنتجت سؤالًا أكثر إلحاحًا:
إذا خرج الفلسطينيون، فمن سيقاوم الاحتلال؟ وقد كان الجواب يتشكل في الداخل.
في الأيام التي تلت الاجتياح، لم تعد فكرة المقاومة مرتبطة فقط بالسلاح الفلسطيني الذي خرج من بيروت, فقد بدأت قوى لبنانية تعيد التفكير في طريقة مواجهة الاحتلال.
وفي 16 أيلول 1982، اجتمعت قوى وشخصيات من اليسار اللبناني في بيروت، وبدأت عملية تشكيل إطار مقاوم جديد.
"وُلدت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمّول
لم تكن ولادتها صدفة, بل كانت نتيجة مباشرة لواقع جديد فرضه الاحتلال, فالقوات الإسرائيلية لا زالت موجودة في بيروت, ومنظمة التحرير غادرت, وبيروت خرجت من حصار طويل، لكنها لم تخرج من الاحتلال.
فكان لا بد من مقاومة جديدة.
بدأت «جمول» عملياتها ضد القوات الإسرائيلية في بيروت ومناطق أخرى, وشاركت فيها قوى يسارية لبنانية، من بينها الحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى جانب قوى وشخصيات أخرى. وكانت العمليات الأولى بمثابة إعلان: الاحتلال لن يصبح أمرًا طبيعيًا, ولن تكون بيروت مدينةً احتُلت وانتهى الأمر, بل مدينة ستقاوم.
:وخرج من رحم تلك المرحلة شعارٌ صار عنوانًا للمواجهة:
الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال
من هنا، تتغير الحكاية.
لم نعد أمام اجتياحٍ يتقدم من الجنوب إلى بيروت.
ولا أمام مدينة تحاول فقط أن تنجو من القصف.
ولا أمام حصار انتهى بخروج منظمة التحرير.
نحن أمام مرحلة جديدة: احتلالٌ بقي, ومقاومةٌ وُلدت.
وبيروت، التي حاول الاحتلال أن يخنقها، بدأت تكتب فصلًا آخر من المواجهة.ومن بين الركام، خرج صوتٌ جديد.صوت يقول إن الحكاية لم تنتهِ، بل بدأت من جديد.
في الصورة مقاتلون من جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)
ومع كل عملية جديدة، كان يغرس في الذهن شيء واحد: أن احتلال الأرض لا يعني امتلاك ذاكرتها.
ولا يعني أن أهلها سيعتادون وجود المحتل.
ولا يعني أن نهاية المعركة الأولى تعني نهاية المقاومة.
فالمدافع قد تهدأ، والدبابات قد تتراجع من شارع إلى آخر، وقد تغادر بيروت.
لكن ما زرعته تلك المرحلة بقي يتحرك في الأرض، وفي ذاكرة الناس، وفي البيوت التي بقيت تنتظر أصحابها، وفي القصص التي لم تُحكَ بعد.
وهنا، بعد أن نترك صوت المعركة خلفنا قليلًا، تبدأ حكاية أخرى.حكاية الناس الذين لم يحملوا السلاح بالضرورة، لكنهم حملوا الحرب معهم، في خوفهم، في بيوتهم، في أطفالهم، وفي تفاصيل صغيرة ربما تبدو عادية، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة لعقود.
هناك تبدأ حكاية الحاجة إنعام, وهناك يعود بيت إلهام, وهناك نلتقي بعصام مرة أخرى، لكن ليس فقط كعسكري كان يقف في وجه دبابة أو جندي إسرائيلي، بل كإنسان بقي يحمل معه ما رأى، وما سمع، وما لم يستطع أن ينساه.
لأن الاحتلال قد يغادر المكان.
لكن ليس دائمًا ما يتركه وراءه.